الرئيسية > كتابات عامة > آرثر رامبو .. وحش من النقاء

آرثر رامبو .. وحش من النقاء

قليلون هم من نستطيع أن نقول عنهم أنهم خارقي الموهبة، الموهبة بطبعها نادرة، و الموهبة الفذَّة أكثر ندرة، أما الموهبة الخارقة فقل أن تصادفها البشرية على امتداد الدهر، ربما نستطيع أن ندرج في كل مجال تحت هذه الخانة عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، نقف عندهم، و نتأمل تفاصيلهم، و نحاول جاهدين عاجزين أن نصل إلى ذلك السر العجيب المخبوء بداخل أرواحهم.

في الفيزياء هناك أينشتين، في الفن التشكيلي هناك دافينشي، في القصة القصيرة هناك تشيكوف، أما في الشعر فهناك آرثر رامبو.

كيف يتأتى لشاعر أن يخلِّد نفسه في تاريخ الأدب العالمي عبر مائة صفحة، كتبها بين السادسة عشرة و العشرين من عمره ؟!

كيف يستطيع صبى في مرحلة المراهقة أن يجد بداخله رؤية متكاملة للأمور، بل و أن يعبر عنها شعرا في لغة بديعة ؟!

كيف تمكَّن فتى في هذه السن أن يصبح أحد الآباء الأربعة للحركة السريالية في الأدب، و هم : نرفال، و بودلير، و لوتريامون، و رامبو ؟!

لماذا ذلك الصمت الطويل، و الترحال المستمر بعد أن بلغ العشرين ؟ و كيف بعد ما وصل إليه لم يلح عليه الشعر مرة أخرى ؟!

أسئلة كثيرة .. استفهامات جمَّة، أليس كذلك ؟ فلنبدأ إذن …

 

النشأة

ولد جان آرثر نيكولاس رامبو عام 1854، بمدينة صغيرة شمال شرقي فرنسا، تسمَّى (شارلويل).

الأب :

 نقيب في الجيش الفرنسي، شارك في حرب القرم، و دخل مع الجيش إلى الجزائر، التي أقام بها فترة تؤهله لمعرفة اللغة العربية. كان رجلا مثقفا، بدأ في ترجمة القرآن الكريم إلى الفرنسية، و ترك ورائه كتابات عن الجزائر و الجزائريين؛ ساعدت رامبو بعد ذلك على التعرف على اللغة العربية، وتعلمها، وفهم الإسلام، حتى أن بعض الروايات تقول بأن رامبو اعتنق الإسلام، إلا أنه عاد إلى الكاثوليكية؛ تحت تأثير أخته (إزابيل).

فر الأب من البيت و من صرامة زوجته المتزمتة دينيا، قبل أن يبلغ رامبو السادسة، و كان لتلك الحادثة بالطبع أثرا عظيما عليه، حيث أنها تعد أول فعل ثوري يراه رامبو و يعايشه، رامبو الذي سيصبح فيما بعد من أهم ثوار الأدب.

الأم :

سيدة كاثوليكية شديدة التزمت دينيا، أنجبت خمسة أطفال. بعد رحيل زوجها أعلنت عن نفسها كأرملة، وكانت توقع باسم مدام رامبو الأرملة، و مع أن الموارد المالية أصبحت قليلة، إلا أن الأم أصرت على أن تعيش كسيدة برجوازية هي و أبنائها؛ و لهذا منعتهم من الاختلاط بأولاد الفقراء مع معيشتهم بينهم، غير أن رامبو الثائر الصغير كان يحب ذلك بشدة.

كان لرامبو أخا يسمى فريدريك، لم يكن نابها مثله في الدراسة، و كان لفريدريك هذا الفضل في أن يفجِّر روح الثورة داخل رامبو – بعد حادثة هروب والده- ، فمع تسلط الأم الشديد و المستمر، فر فريدريك هاربا من المنزل، و التحق بالجيش الفرنسي. حاول رامبو بعد تلك الحادثة الهرب؛ لكنه فشل؛ لأن الجيش لم يقبله بسبب قصر قامته و مظهره الطفولي.

ترك رحيل الأب لدى رامبو إحساس عميق باليُتم، فكانت أول قصيدة ينشرها تعبر عن الاحتفاء بحالة اليتم، و اسمها ” هدايا العام الجديد للأيتام “، نشرها في الأدبية المحترمة ‘المراجعة للجميع’ عام 1870.

 

الأستاذ

كان للأستاذ (جرجيس أزمبارد) الأثر الأكبر في تكوين شخصية رامبو الثورية الشعرية، حيث أنه كان من حرره من جحيم البيت و تسلط الأم، و فتح عينيه على الجديد و المسكوت عنه في هذا العالم. يذكر رامبو أن والدته انزعجت بشدة، و أقامت الدنيا و لم تقعدها؛ عندما اكتشفت أنه يقرأ رواية لفيكتور هوجو .. أحد أعمدة الرومانسية الفرنسية، ولم  ينقذه إلا حضور أستاذ اسمه جرجيس ازمبارد إلى المدينة، كان جرجيس شاعر بارز، دفع ثمن غروره تهميشا و تجاهلا؛ عندما تجرأ على انتقاد فولتير المدافع الكبير عن عظمة فرنسا.

فتح الأستاذ الأبواب أمام رامبو على نوع جديد من القراءة التي كانت في عين الكثيرين ممنوعة مذمومة في ذاك الوقت.

 

صديق بوهيمي

التقى رامبو عام 1871 – بعد اندلاع الحرب بين فرنسا و روسيا – بـ ( فيرلين )، الذي كان لوطيا ثم تاب و تزوج، حينها أقام معه علاقة شاذة، بعدها هاجر لفترة قصيرة إلى باريس، و هناك تم اغتصابه بواسطة الجنود الفرنسيين، ثم عاد بإيعاز من أمه، ثم هاجر مرة أخرى مع فيرلين إلى إنجلترا، بعد اعتراض زوجة فيرلين (ماتيلدا)، و ذيوع خبر هذه العلاقة في الوسط الثقافي.

كانت هذه الفترة من أغزر فترات حياتهما كتابة، و من نتاجاتها كتاب الإشراقات، الذي كان عبارة عن مجموعة من القصائد النثرية حاول فيها عدم التمييز بين الواقع والهلوسة. 

انتهت هذه المرحلة بأن أطلق فيرلين رصاصتين على رامبو، و أصابه إصابة طفيفة في المعصم.

كانت هذه الحادثة نهاية المرحلة البوهيمية و الشعرية في حياة رامبو، إذ زُج بفيرلين إلى السجن، و رامبو إلى المستشفى.

 

صمت طويل .. و سفر متواصل

بعد حادثة إطلاق فليرين للرصاص على رامبو، تحول رامبو تحولا شديدا، حيث نقم على تلك المرحلة من عمره بكل ما فيها من طريقة حياة، و من أشعار، أطلق عليها ” المرحلة الملعونة ” ، و على أشعاره ” الخربشات و القذارة “، استعاد موقعه في العائلة، و اكتشف أن أمه لم تكن بهذا السوء، فراح يساعدها و يعينها على متاعب الحياة، ثم تحول بكليته إلى التجارة، التي برع فيها بشدة، و تميز بالجشع الشديد، و الرغبة الملحة في جمع الأموال.

كانت التجارة هي الدافع الظاهر في أسفار رامبو المتواصلة، لكن الدافع الخفي كان نزقه الدائم لاكتشاف المجهول.

بدأ بألمانيا، وحاول تعلم اللغة الألمانية، ثم إلى هولندا، حيث انخرط في الجيش.. فإلى جزر الهند الشرقية (إندونيسيا حاليا)، ثم هرب و تطوع ثانية بحاراً في سفينة راسية في ميناء باتافيا (جاكرتا حاليا)، ثم عاد إلى فرنسا، ثم هرب ثانية إلى النمسا، وهولندا ثانية، والسويد وسويسرا.

 سنة 1878 دفعه هوس السفر والمجهول إلى جزيرة قبرص، حيث عمل مراقبا لمقاول بناء في لارنكا، وجبل ترودوس، و هناك أصيب بالتيفوئيد، حينها قرر أن يعود إلى فرنسا نهائيا، لكنه بعد أن ارتاح قليلا أبحر ثانية إلى الإسكندرية، ثم بعدها إلى عدن، و من هناك إلى مدينة هرر في أثيوبيا، ثم إلى صحراء أوغادين، و هناك اتصل بالإمبراطور الأثيوبي منيليك الأكبر، وباعه قافلة من السلاح. و ما إن أتم تلك الصفقة حتى أصيب بآلام حادة في ركبته، تحولت إلى التهاب أدى إلى قطعها، و على إثر ذلك يموت الشاعر رامبو عام 1891 في السابعة و الثلاثين، بعد أن عمل كل شيء تقريبا إلا أن يكون شاعرا .. عمل كاتباً في شركة للبن، و شيالا في البندقية، و عاملا مفتول العضلات على متن سفينة سكر انكليزية، و مغامرا في إفريقيا، و تاجر سلاح، و مهربا في السويس.

ما أغرب أن تكتب عن إنسان أشبه بأبطال ألف ليلة و ليلة، و ما أصعب أن تحاول أن تلم بحياته، و هو الذي سافر إلى ذلك العدد المهول من البلدان، لكنى هنا أورد قصتين لفتا نظرى بشدة، و لكل منهما مغزاها :

الأولي .. كانت أثناء ترحال رامبو بين الحبشة واليمن، كان يطالب أهله بتزويده بأفضل ترجمة للقرآن من الناشر (هاشيت)، وهذا يتزامن مع المرحلة التي كان يحاجج فيها قادة القوافل مستشهداً بآيات قرآنية، ويقوم بتقديم ما يمكن وصفه بتأويله الخاص لهذه الآيات، مما أدى ببعضهم إلى ضربه؛ لأنه في نظرهم يهرطق ويتقول على النص القرآني.

أما الثانية .. فكانت أثناء رحلته عبر جبال الألب بين الثلوج، وعلى الأقدام، حتى قارب على الموت، لولا دير رهبان احتضنه، و أعطاه الطعام و الدفء.

 

 مسيرته الشعرية .. و فلسفته

بدأ رامبو في كتابة الشعر بسن السادسة عشرة، و تميزت كتاباته الأولى بطابع العنف، و لم يستمر كثيرا، إذ أنه كتب منجزه الشعري في أربع أو خمس سنوات على الأكثر، و يتلخص هذا المنجز في كتابيّ (إشراقات)، و (فصل في الجحيم).

أما بالنسبة لأهم و أبرز قصائده، فهي بالإجماع قصيدة ( قارب السكارى ) و التي أوردها هنا كاملة بترجمة (عبد الهادي السايح) ..

 

قارب السكارى

___________________

وانطلقتُ
ممتطيا سيولاً لا تبالي ..
ما عدتُ أحس بالحبال تتجاذبني
يشدها عمالُ المرفأ
كانوا هناك
وقد اتخذهم بعضُ أوباش الهنود الحمر
أهدافا
بعدما قيدوهم عراةً إلى أعمدة الألوان …
لم أكترث للطاقم
من حمـَلةِ القمح الفلامندي
أو القطن الإنكليزي..
عندما انتهى ذلك الشغب وغاب العمال معه عن ناظري
تركتني السيول أهوي إلى حيث أشاء..
بين تلاطم الأمواج الغاضبة
جريتُ ذاك الشتاءَ
بعناد أعتي من عناد
الأطفال،
لم تشهد الجزر العائمة هرجا أكثر اصطخابا من ذلك،
وباركت العاصفة ُ استفاقتي البحرية..
وكأخفَّ من سدادة
رقصتُ فوق الأمواج
،تلك الأيدي الأبدية التي تدحرج ضحاياها، كما يقال،
عشرَ ليالٍ
دونما شوق إلى عين الأنوار الساذجة
تلوح من المرافئ ،
جريتُ ..
تسربت المياه الخضراء إلى هيكلي الصنوبري
أعذبَ من طعم التفاح الحامض في فم الأطفال..
مطهرةً بقعَ الخمر الزرقاء والقيء
رجّتني ، بعثرتْ الدفة والمرساة ..
منذ ذلك الحين وأنا أستحم في قصيدةِ البحر
تـتخللها النجومُ،
حليبية اللونِ،
تلتهم البقعَ اللازوردية المائلة إلى الخضرة
أينَ ترى أحيانا
غريقا شاردَ الذهن
تلفه هالة صفراءُ
مُمتـقَعة،
يرسب إلى القاع
وهو مسرور ..

هناك أين يضفي الزرقة َ فجأةً
الهذيانُ والإيقاع البطيء
تحت وهج النهار،
زرقةٌ أعتي من الخمر و أرحبُ من أنغامنا،
تختمر صهبة الحب المرّة .. هناك،
شهدتُ انشقاقَ السماوات بالبرق
والأعاصيرَ واكتساحَ الأمواج المرتدة، ، والتيارات ..
شهدتُ المساءَ
والفجرَ العُلوي مثلَ شـَعبٍ من الحمام
ورأيت أحيانا ما ظن الإنسان أنه رآه ..
رأيتُ الشمسَ
يخامرها رعبٌ غامض في الزوال
تمد أشعتـَها جلطاتٍ وردية طويلة
مثل الممثلين في مسرحيات درامية عتيقة
الأمواج تندفع بارتجاجاتها المصطفقة راجعة إلى المدى ..
حلمت في الليل الأخضر بالثلوج يبهرها الضياء
بالقـُبلة الصاعدة إلى عين البحر ، رويدا رويدا
بجَيَشان قوى لا نظير لها
بصحوةٍ زرقاء مصفرّة للفسفور المغرِّد،
اتبعتُ لأشهرٍ كاملة
الأمواجَ الهائجة
وهي تجتاح أرصفة الصخور في جنون
كقطعان البقر الهستيرية،
لم أحسَب أن سيقان الضياء المريمية
قد تصد خياشيمَ المحيطاتِ الناخرة ،
اصطدمتُ، فاعلموا، بمروجٍ عجيبة،
أين تختلط الأزهارُ بعيون الفهود في جلود البشر
وتتدلى ،تحت آفاق البحار،
أقواسُ قزح كأعنة
خيولٍ خضراءَ
تخالطها الزرقة ..
شاهدت السبخاتِ الهائلة تختمر ..
شِباكٌ يتعفن في طياته الطحلبية حوتٌ ضخم،
شاهدتُ انهيارَ المياه وسْط هدأةِ العباب
والمسافاتِ البعيدة ترتمي إلى أعماق الهاوية …
أنهار الجليد، شموس فضية، أمواج منْ لؤلؤ، سماوات منْ شواظ
حطام سفن مشوهة ..في أعماق الخلجان البنية،
حيث الثعابين العملاقة التي يلتهمها الأرَضُ
تتساقط ،كالأشجار الملتوية،
بعطورها السوداء ..
وددت لو أري الأطفال تلك الحيتان
حيتانَ الموجة الزرقاء،
تلك الحيتان الذهبية، الصادحة ..
هدهدَ زبدٌ من الزَّهر انسيابي
وأعارتني رياحٌ يفوق عتوها الوصفَ أجنحتها في بعض الأحيان ..

وأحيانا، مثل شهيدٍ تعِبٍ من الأقطاب والمناطق
يرفع البحرُ الذي كان شهيقه
سريريَ المتمايح العذبَ،
إليَّ أزهارَ الظلال بكؤوسها الصفراء ..
ارتحتُ ثمة مثلما امرأةٍ تجثو على ركبتيها،
مثلما جزيرةٍ، تتمايلُ على ضفاف العراك
وذرْقِ الطيور الناعقة
ذواتِ العيون الصهباء،
لمحتُ خلالَ أشرعتي الهشة وأنا ماضٍ
الغرقى يسبحون راجعين إلى النوم في الأعماق..
كذاكَ أنا
المركب المضاع تحت ضفائر الخلجان
رمتني العاصفة إلى أثير خالٍ من الطيور
أنا الذي لا تقدر السفن
على انتشال
جثته السكرى من الماء..
أضحيت حرا ،
تتصاعد مني الأبخرة ويلفني ضباب وردي
أنا.. مَن اخترق السماء المحمرّة كالجدار
و مَن يحمل الخواطر الرقيقة إلى قرائح الشعراء
عَذَبَ الشمسِ مع هلام سماوي الزرقة،
مَن جرى، تبرقعه أهِلـَّـة كهربائية،
خشبة مجنونة
ترافقها أحصنة البحر الماردة، السوداء
حينما كانت أشهر تموز تُغرق بهراواتها
الآفاقَ الزرقاءَ الداكنة، اللماعة
في أقماعٍ لاهبة..
أنا الذي ارتجفتُ ..لسماعي أنين الوحوش الهائجة
على بعد خمسين فرسخا
والدواماتِ الهائلة
تلك التي تحيكُ زرقة البحار الأبدية ،
أحن إلى أروبا ومتاريسها القديمة ..
رأيت أرخبيلاتٍ من النجوم وجُزراً
تتفتح آفاقها المجنونة للملاح
أفي هذه الليالي، ليالٍ بلا أعماق تنامين وتنزحين؟
يا ملايين الطيور الذهبية،
يا حياة المستقبل ؟
نعم بكيتُ كثيرا ، فكل فجر كئيب
وكل قمر قبيح وكل شمس مُـرّة
ملأتني حدة الحب بخدَر نشوان
فليتحطم هيكلي، ولأغرقْ ..
لو كنتُ مشتاقا إلى بعض مياه أروبا
لشاقتني بركةٌ سوداء باردة
يقبع على حافتها طفلٌ يملأ جوانحَه الأسى
ليرسلَ زورقا أرق وأوهن من فـَرَاش ماي
إلى الشفق الشذي ..
ما عدتُ أستطيع الاستحمام في خـَـدَركنّ ونصالكنّ
أيتها الأمواج الزجاجية
أو أقتفي سبلَ السفن المشحونة بالقطن
ما عدت أقدر أن أعبر ساحات الفخر برايات وأعلام مرفرفة
أو أسبح تحت أعين الجسور العائمة، الرهيبة ..

لم تتوقف عبقرية رامبو عند حد الإبداع الشعري، و لكن امتدت إلى فلسفة ذلك الإبداع، و الخروج برؤية متكاملة عنه، تجلت في وثيقة كتبها عام 1871 في شكل رسالة تُعرف عادة باسم ( رسالة الرائي )، و كانت العبارة الافتتاحية في تلك الرسالة هي : ” الأنا شخص آخر ” ، ثم انطلق رامبو مشخصا تجربته الشعرية، و معلما للشعراء القادمين من بعده. يقول في جزء منها :

”  كان العقل الكوني يلقي على الدوام أفكارَه بشكل طبيعي. كان الناس يجمعون بعض ثمار الدماغ هذه، فانطلاقاً منها يعملون ومنها يكتبون كتباً: وهكذا استمرت الأمور، الإنسان لا يشتغل على نفسه، ذلك أنه لم يكن قد أستيقظ بعد، ولم يكن قد أوغل تماماً في الحلم الكبير. موظفون، كتّاب: أما المؤلف، المبدع الشاعر، فهذا الإنسان لم يوجد قط! أول ما يدرسه الإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هو أن يعرف نفسه معرفةً كلّية؛ أن يبحث عن نفسه، يتفقدّها، يغويها، يتعلمها. وحالما يعرفها عليه أن يرعاها… أقول أن على المرء أن يكون رائياً. عليه أن يجعل من نفسه رائياً. فالشاعر يجعل من نفسه رائياً عبر اختلال مدروس طويل هائل لكل الحواس، لكل أشكال الحب، الألم، الجنون. يبحث بنفسه، يستنفد كلّ السموم في نفسه ولا يحتفظ منها إلا بالجوهر. عذابٌ لا يوصف يحتاج فيه إلى كلّ الإيمان، إلى كل القوّة الخارقة، حيث يُصبح بين الجميع، المريض الأكبر، المجرم الأكبر، الملعون الأكبر، والعليم الأسمى، لأنه يدرك المجهول، إذ أنه قد يثقّف نفسه، الغنية من قبل، أكثر من أيّ كان، لأنه يصل إلى المجهول، وعندما، وقد جُنّ، ينتهي إلى ما يعمي بصيرته عن رؤاهُ، يكون قد رآها. فليمت في وثبته بالأشياء الخارقة التي لا اسم لها!… الإنسانية كلّها في عهدته، حتّى الحيوان. عليه أن يجعل اكتشافاته، تُشم وتُحس وتُسمع. فإذا كان الشيء الذي أتى به من هناك له شكل، أعطى شكلاً، وإذا كان بلا شكل، أعطى اللاشكل. المسألة هي أيجاد لغة، وبما أن كل كلام فكرةٌ، فإن زمن اللغة الكونية آتٍ…”

 

قالوا عن رامبو

_ لم يكن الشيطان ولا الإله، كان آرثر رامبو، أي شاعراً كبيراً، أصيلاً قطعاً، ذا نكهة فريدة، لغوياً خارقاً, – فتى ليس كالآخرين، أكيداً لا! لكنه كان نقياً، عنيداً وبلا أي خبث وفي منتهى الرقة، وقد كانت له الحياة، هو الذي أريد له أن يتنكر كإنسان متوحش، في الأمام في النور والبأس، جميلة بالمنطق والوحدة مثل شعره. كان نوع من العذوبة يلمع ويبتسم في تينك العينين الضاريتين بأزرقهما الصافي وعلى ذلك الفم القوي الأحمر ذي الثنية المحزنة: صوفية وشبق… _ بول فيرلين

 

_ رامبو فعل خارق، خارج كل أدب، ظاهرة لم تُعرف من قبل وقد لا توجد أبداً من بعد. من هو رامبو حقاً كي يؤدي هذا الدور؟ ماذا فعل كي يكتسب هذا الحيز في حياتنا، هذا الذي بقي مراهقاً موهوباً، مأخوذاً بالحرية، عاشقاً لهذا الشعر الجديد الذي اكتشفه ورمى منه بضع أوراق في الريح، وقد أدار له ظهره ذات يوم، بعدما خاب منه، محملاً إياه أسباب سقوط حلمه, ورحل إلى البعيد…؟ _ كلود جانكولاس

 

_ عذبوك/ وحرقوا روحك،/ احتجزوك/ داخل جدران أور، وكنت تقرع/ الأبواب/ بجنون./ وعندما أخيراً/ استطعت/ رحلت جريحا، / جريحاً وصامتاً، / ميتاً رحلت.

ليس صحيحاً/ انك سرقت النار،/ انك كنت تركض/ مع السخط السماوي/ ومع حجارة الجحيم الكريمة/ وما فوق البنفسجية،/ لا ليس الأمر هكذا،/ لا أصدّقه،/ لقد حرموك/ البساطة، والمنزل/ والخشبة/ نبذوك/ وأغلقوا الأبواب في وجهك/ ولأجل ذلك/ حلّقت. _ بابلو نيرودا ( من : نشيد إلى رامبو )

 

_ إنه وحش من النقاء _ جاك رفيير

 

_ إذا قلت عنه أنه شيطان رجيم فأنت من الصادقين وان قلت انه صوفي يسعى إلى النورانية والشفافية الروحية فأنت من الصادقين _ رمسيس عوض

محمد أبو الفتوح

Advertisements
التصنيفات :كتابات عامة
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: